كل صباح ، تستيقظ هاجر على الساعة الخامسة فجراً لتبدأ يومها مع ابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً وبعد أن تساعده على الاستعداد للمدرسة ومغادرة المنزل ، تتوجه إلى مزرعتها في ولاية الكاف لمواصلة عملها اليومي.
تختلف المهام التي تقوم بها من يوم إلى آخر حسب الموسم ؛ ففي بعض الأيام تنشغل بزراعة الطماطم أو جنيها ، وفي أيام أخرى تتولى فرز المحاصيل وتغليفها ، أو نقلها إلى مناطق أخرى لتسويقها . وتقضي ما بين أربع وخمس ساعات يومياً في تجهيز منتجاتها قبل أن تضع على العبوات الختم الذي أصبح علامة مميزة لها " حراير عبيدة " وهو اسم المجمع الذي تترأسه ، والذي يمنح منتجاتها ثقة أكبر لدى المستهلكين.

ورغم أن هاجر تمارس الزراعة منذ عشرين عاماً ، مقتدية بوالدها وجدها ، فإن انضمامها إلى المجمع لم يحدث إلا قبل خمس سنوات فقط . والمفارقة أن فكرة إنشاء المجمع كانت فكرتها هي منذ البداية.
تقول هاجر " كنت أرغب في إطلاق مشروعي الخاص ، لذلك بدأت بالتواصل مع المسؤولين في القطاع الفلاحي . فنصحوني بإنشاء مجمع فلاحي لتجميع الفلاحين ".
بعد ذلك عرضت الفكرة على النساء في منطقتها ، وحظيت المبادرة بدعم المندوبية الجهوية للفلاحة ، لتنطلق من هناك رحلة تأسيس المجمع . وبعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية ، اختارت العضوات هاجر كرئيسة للمجمع. وتصف تلك المرحلة بأنها كانت رحلة طويلة وصعبة ، تنقلت خلالها بين العديد من الإدارات لاستكمال كل الإجراءات ، لكنها كانت تستحق كل ذلك المجهود و الوقت.
قبل نحو ستة أشهر ، فقدت هاجر زوجها بعد صراع مع المرض ، لتجد نفسها مسؤولة وحدها على إعالة نفسها وابنها. وتؤكد أن وجودها داخل المجمع وفر لها قدراً أكبر من الاستقرار والدعم في هذه المرحلة الصعبة من حياتها.
واليوم ، تدير هاجر، الأرملة البالغة من العمر 41 عاماً، تعاونية تضم 65 امرأة ، تعمل جميعهن في إنتاج الخضروات ، وخاصة الطماطم والفلفل والبصل ، قبل تحويل جزء منها إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة.
وترى أن أهم ما وفرته التعاونية هو الدعم في مجالات التسويق والتوزيع ، وهو ما ساهم في تحسين المداخيل . كما تخضع المنتجات لرقابة الجودة بإشراف المصالح الفلاحية المختصة ، وهو أمر يصعب على المنتج الفردي القيام به بمفرده.

وتوضح أن اتباع معايير الجودة والسلامة يتطلب إمكانيات وخبرة لا يستطيع الشخص الواحد توفيرها ، وأن وجود ختم المجمع يمنح المستهلك ثقة أكبر في المنتج.
وتضيف أن الحرفاء يفضلون المنتجات التي تحمل علامة التعاونية لأنها تخضع لمراقبة صحية وفنية ، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في السوق.
وقبل إنشاء المجمع ، كانت هاجر تواجه صعوبة في تلبية الطلبات الكبيرة ، أما اليوم فإن عضوات التعاونية يجمعن إنتاجهن لتوفير كميات أكبر والوصول إلى أسواق جديدة.
ولا يقتصر دور المجمع على التسويق فقط، بل يوفر أيضاً المواد الأولية ، ومواد التغليف ، والدورات التدريبية ، والتكوين في التصرف المالي ، والمرافقة الفنية . وتدفع كل عضوة اشتراكاً سنوياً يعادل سبعة دولارات.
تحقق النساء دخلاً يقارب ثمانية دولارات يومياً ، أي حوالي مائتي دولار شهرياً ، بينما يمتد موسم العمل بالنسبة لهاجر إلى عشرة أشهر في السنة ، مع توقف النشاط خلال شهري نوفمبر وديسمبر.
ورغم النجاحات ، ما تزال النساء يواجهن عدة تحديات ، أبرزها صعوبة النقل بسبب تردي البنية التحتية في المناطق الريفية وغياب وسائل النقل العمومي ، إضافة إلى محدودية الموارد المائية والحاجة إلى التراخيص اللازمة لاستغلالها.
كما يمثل التمويل إحدى أكبر العقبات ، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي لا يمتلكن الأراضي بأسمائهن ، إذ إن تسجيل الأرض باسم الزوج يحرمهن في كثير من الأحيان من الحصول على القروض والاستثمارات الضرورية لتطوير مشاريعهن.
وتطمح هاجر مستقبلاً إلى توسيع نشاط المجمع ، واقتناء معدات جديدة ، وتوفير مزيد من برامج التدريب للنساء.

وتقول إنها تتمنى أن يحصل مجمعها على شهادات اعتماد خاصة بها ، وأن تصبح معروفة في كامل الجهة ، كما تطمح إلى النجاح كرائدة أعمال والمساهمة في إنشاء مجامع أخرى في مختلف المناطق ، وأن تحقق استقلالها المالي حتى لا تضطر للاعتماد على أي شخص.
لكن أكثر ما تفخر به هاجر هو الأثر الذي أحدثه المجمع في حياة النساء بمنطقتها.
فمنذ ثلاث سنوات ، كانت العديد من النساء يلازمن منازلهن ، أما اليوم فأصبحن يعملن ، ويحققن دخلاً خاصاً بهن ويكتسبن ثقة أكبر في أنفسهن.
وتؤكد أن المجمع منح النساء صوتاً موحداً ، وفتح أمامهن فضاءً للتعبير عن أفكارهن وابتكار طرق جديدة للعمل.
وتروي مثالاً على ذلك ، فتقول إن زوجها الراحل كان يزرع الثوم ، فخطرت لها فكرة تحويله إلى مسحوق جاهز للاستعمال ، وهو منتج أصبح يحظى اليوم بإقبال متزايد من المستهلكين.
وتختتم هاجر حديثها بالتأكيد على أن المجمع ليس مجرد إطار لتسويق المنتجات ، بل فضاء للتعلم والتضامن وتبادل الخبرات والدعم المتبادل بين النساء.
وترى أن التعاونية ليست فقط مكاناً لبيع المنتجات ، بل هي فضاء للتعلم ، وللتضامن ، ولمساندة بعضهن البعض ، وهي بمثابة عائلة تجمع النساء وتمنحهن القوة والثقة.

